محمد غازي عرابي
1038
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وللنبي خلفاء في الأرض يخلفونه ، وهو القائل إن اللّه ليبعث على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ، وقال إن للّه عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، ولكن يغبطهم الأنبياء والشهداء لقربهم ومقعدهم من اللّه ، وقال سبق المفردون ، قالوا يا رسول اللّه ما المفردون ؟ قال المهتزون الذين يهتزون في ذكر اللّه ، يضع الذكر عنهم أثقالهم ، أي أثقال الأنية والاثنينية ، فيأتون اللّه خفافا ، وقال واشوقاه إلى إخواني الذين يأتون من بعدي ، هؤلاء أنبياء لا أولياء ، وتقول الصوفية ، ومنهم عبد الكريم الجيلي إن محمدا هو الذي يظهر في صورة خلفائه ، مثلما ظهرت حقيقته في الأنبياء من قبله ، يقول الجيلي إذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية أنها متجلية في صورة من صور الآدمين فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية ، ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب الصورة ، فلا يجوز لك بعد شهود محمد فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من مثل ، ثم إياك أن تتوهم في قولي من مذهب التناسخ ، حاشا اللّه وحاشا رسول اللّه أن يكون هذا مرادي بل إن رسول اللّه له من التمكين في التصور بكل صورة حتى يتجلى في هذه الصورة ، وقد جرت سنته أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملهم ليعلي شأنهم ويقيم ميلانهم ، فهم خلفاؤه في الظاهر ، وهو في الباطن حقيقتهم . فالروح المحمدي فعال أبدا ، وصلّى اللّه عليه وسلّم هو القائل : ( أنا حي في قبري ) ، والقبر البدن ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم المبعوث دائما كالشمس يشرق ثم يغيب ، ثم يشرق ثم يغيب ، ليعلم الإنسان ما لم يعلم . فما ظهر من ولي محقق عارف إلا كان الروح المحمدي حقيقته ، مثلما كان جبريل نوره صلّى اللّه عليه وسلّم وحقيقته . ففي كل مرة يظهر الإنسان الكامل يكون باطن الإنسان معلم الإنسان ويكون ظاهره هيكلا يحمل هذا النور والروح . فأمثال هؤلاء الخلفاء أمثال الملك وولي العهد الذي يعقبه ويخلفه ، ولهذا كان صلّى اللّه عليه وسلّم يقظان أبدا ، يطوي الأرض فتزوى له ، فهو بكل شيء عليم ، يسعى لتحقيق مقاصد ربه ، فهو وجهه وحقيقته وقدرته وحكمته وعلمه ، والسورة كلها تدل على هذه الحقيقة الوجودية السارية في الموجودات ، واصفة كيف يقع الاتصال بين الباطن والظاهر ، وكيف يصير الإنسان إنسانا متألها ثم إلهيا هو صورة الرحمن وعلمه وإشراقه وبيانه . وخلفاء محمد المحققون لم يفرقوا عند الوصول إلى الذات العظمى بين داخل الذات وخارجها ، بين المطلق والمتعين ، بين اللامحدود والمحدود ، بين الواحد والكثرة ، فسبحان من ظهر بنفسه لنفسه ، وبذاته لذاته ، فلا يوجد شيء خارج هذه الحضرة ، لا إنسان ولا الحيوان ولا النبات ولا الجماد ولا الأجرام ، بل هو واحد أحد فرد صمد ، يصمد إليه في كل أمر ، إليه تتناهى العقول والفهوم والأقدار ، لا إله إلا هو الواحد القهار ، قال عبد الكريم الجيلي في الوارثين المحققيين أهل القرب الإلهي الذين بنى اللّه أساس هذا الوجود عليهم ،